عبد الشافى محمد عبد اللطيف

293

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

الرحلة انطلقت من بغداد إلى حوض الفولجا مارة ببخارى وخوارزم ، ولو لم تكن صلة البلغار بهذه الولايات الإسلامية قديمة ؛ لكان الأولى أن تسلك الرحلة الطريق الأقصر إلى حوض الفولجا ، وهو الطريق الذي يمر عبر قافقاسيا « 1 » . هذا يدل بوضوح على رسوخ الإسلام في بلاد ما وراء النهر ، وأنه أفاض على ما حولها من بلاد بطريق سهل وفي حرية تامة لعالمية الإسلام من ناحية ، وتفوق العالم الإسلامي ماديّا ومعنويّا من ناحية ثانية . ومن الجهود غير الرسمية التي تستحق التنويه في نشر الإسلام بين الترك ، جهود التجار المسلمين الذين كانوا يجوبون الطرق التجارية التي تخترق تلك البلاد ، إلى جانب تجارتهم كانوا يقومون بدور الدعاة إلى اللّه تعالى « 2 » ، وكانوا لبساطتهم في الدعوة ولغتهم السهلة وصدقهم وأمانتهم وحسن معاملتهم للناس أكثر تأثيرا من الدعاة الرسميين في جذبهم للإسلام ، ومما يسر للتجار المسلمين مهمتهم تلك العلاقات الطيبة التي قامت بين الدولة الأموية وإمبراطورية الصين ، فقد ذكر توماس آرنولد « 3 » نقلا عن المصادر الصينية أن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك أرسل في ( 108 ه / 726 م ) سفيرا اسمه سليمان ، إلى إمبراطور الصين هزوان كنج ، ومع أن آرنولد لم يحدثنا عن طبيعة هذه السفارة ولا عن مهمتها ، إلا أنها تدل على حسن العلاقة بين الدولة الأموية وإمبراطورية الصين - وسبق أن ذكرنا ما حدث من اتصال بين الفريقين أثناء فتوحات قتيبة ووصوله إلى كاشغر وسفارته إلى ملك الصين - تلك العلاقة التي تطورت إلى أفضل مع العباسيين - بعد الصدام الذي حدث بين الفريقين في معركة طالاس ، التي سبقت الإشارة إليها سنة ( 752 م ) . فيذكر آرنولد أن إمبراطور الصين سوتسونج - وهو ابن الإمبراطور السابق - قد استغاث بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ضد ثورة قامت عليه سنة ( 139 ه / 756 م ) فأغاثه المنصور بفرقة من الجيش الإسلامي ، التي لم تعد إلى بلادها بعد القضاء على الثورة ، بل بقي الجنود المسلمون في الصين وتزوجوا وعاشوا هناك « 4 » ، والذي نقصده من الحديث عن حسن العلاقات بين المسلمين والصين أن الطرق التجارية

--> ( 1 ) المرجع السابق ( ص 66 ) . ( 2 ) د . حسن أحمد محمد - مرجع سابق ( ص 155 ) . ( 3 ) الدعوة إلى الإسلام ( ص 332 ، 333 ) . ( 4 ) المرجع السابق ( ص 333 ) .